مررحبا..
كيف الحاال
اليووم ياايبه لكم قصة عن أيام الأندلس..


وقف أبو عبدالله، آخر ملوك غرناطة بعد انكساره أمام جيوش الملك فرديناند والملكة إيزابيلا ، على شاطيء الخليج الرومي تحت ذيل جبل طارق قبل نزوله الى السفينة المعدة لحمله إلى افريقيا، وقد وقف حوله نساؤه وأولاده وعظماء قومه من بني الأحمر فألقى على ملكه الذاهب نظرةً طويلةً لم يسترجعها الإ مبللة بالدمع، ثم أدنى رداءه من وجهه وأنشأ يبكي بكاءً مراً وينشج نشيجاً محزناً حتى بكى من حوله لبكائه ، وأصبح شاطئ البحر كأنه مناحةٌ قائمةٌ تتردد فيهاا الزفرات، ويستبق العبرات، فأنه لواقف موقفه هذا وقد ذهل عن نفسه وموقفه إذا أحس هاتفاً يهتف باسمه بصوتٍ كأنما ينحدر إليه من علياء السماء ، فرفع رأسه ، فإذا شيخ ناسك متكئ على عصاه ، واقف على باب مغارة من مغارات الجبل المشرف عليه ينظر إليه ويقول:
نعم .. لك أن تبكي أيها الملك الساقط على ملكك بكاء النساء فأنك لم تحتفظ به احتفاظ الرجال.
إنك ضحكت بالأمس كثيراً ، فابك اليوم بمقدار ما ضحكت بالأمس ، فالسرور نهارُ الحياة والحزن ليلها ، ولا يلبث النهار الساطع أن يعقبه الليل القاتم.
لو أنّ ما ذهب من يدك من ملكك ذهب بصدمةٍ من صدمات القدر، أو نازلة من نوازل القضاء ، من حيث لا حول لك في ذلك حيلة، لهان أمره عليك ، أما وقد أضعته بيدك، وأسلمته إلى عدوك باختيارك ، فابكِ عليه بكاءَ النادم المتفجع الذي لا يجد له عن مصابه عزاء ولا سلوى.
لا يظلم الله عبداً من عباده ، ولا يريد بأحدٍ من الناس في شأنٍ من الشؤون شراً ولا ضيراً، ولكن الناس يأبون إلا أن يقفوا على حافة الهوةَّ الضعيفة فتزلُّ بهم أقدامهم، ويمشوا تحت الصخرة البارزة المشرفة فتسقط على رؤسهم.
لم تقنع بما قسم الله لك من الرزق، فأبيت إلا الملك والسلطان ، فنازعتَ عمَّك الأمر، واستعنت عليه بعدوك وعدوه، فتناول رأسيكما معاً، ومازال يضرب أحدهما بالآخر حتى سال تحت قدميكما قليب من الدم فغرقتما فيه معاً.
لي فوق هذه الصخرة يا بني الأحمر سبعة أعوام، أنتظر فيها هذا المصير الذي صرتم أليه، وأترقب الساعة التي أرى فيها آخر ملكٍ ملكاً يرحل عن هذه الديار رحلة لا رجعةَ من بعدها، لأني أعلم أن الملك الذي يتولّى أمره الجاهلوون الأغبياء لا دوامَ له ولا بقاء.
اتخذ بعضكم بعضا عدوا، وأصبح كلُّ واحدٍ منكم حرباً على صاحبه فسقتم المسلمين إلى ميادين القتال يضرب بعضهم وجوه بعض، والعدو رابض من ورائكم يتربَّص بكم الدوائر ، ويرى أنَّ كلاً منكم قائد من قواده ينبعث بين يديه لقتال أعدائه، والمناضلة على ملكه، حتى رآكم تتهافتون على أنفسكم ضعفاً ووهناً، فاقتحمتكم ، فما هي إلا جولة أو حولتان حتى ظفر بكم معاً.
ستقفون غداً بين يدي الله يا ملوك الإسلام, وسيسألكم عن الإسلام الذي أضعتموه وهبطتم به من علياء مجده حتى ألصقتم أنفه بالرغام. وعن المسلمين الذين أسلمتوهم بأيديكم إلى أعدائهم ليعيشوا بينهم عيش البائسين المستضعفين، عن مدن الإسلام وأمصاره التي اشتراها آباؤكم بدمائهم وأرواحهم ثم تركوها في أيديكم لتذودوا عنها ، وتحموا ذمارها، فلم تحركوا في شأنها ساكناً حنى غلبكم أعداؤكم عليها، فأصبحتم تعيشون فيها عيش الإذلاّء، وتُطردون منها كمل يُطرد الغرباء، فماذا يكون جوابكم إن سئلتم عن هذا كلِّه غداّ؟.
ها هي القوانيس ترنُّ في الشرفات المآذن بدل الأذان، وها هي المساجد تطأ نعال الصليبين في تربتها مواقع جباه المسلمين ، وها هو المسلم يفرّ بدينه من مكانٍ إلى مكانٍ، ويلوذ بأكناف الهضاب و الشعَّاب، لا يستطيع أن يؤديّ شعيرةً من شعائر دينه الإ في غارٍ هكذا الغار الذي أعيش فيه!....
ليت المسلمين عاشوا دهرهم فوضى، لا نظام لهم ولا ملك ولاسلطان، كما يعيش المشرَّدون في آفاق البلاد، فقد كان ذلك خيراً لهم من أن يتولّى أمرهم رجال مثلكم ، طامعون مستبدّون، يلفّون على أعناقهم جميعاً غلاَّ واحداً يسوقونهم به إلى موارد التلف والهلاك من حيث لا يستطيعون ذَوْداً عن أنفسهم. وما تفعل الفوضى بأمة ما يفعل بها الاستبداد.
يسألكم الله يا بني الأحمر عني وعن أولادي الذين انتزعتموهم من يدي انتزاعاً أحوج ما كنت إليهم، وسقتوهم إلى ميادين القتال ليقاتلوا إخوانهم المسلمين قتالاً لا شرفَ فيه ولا فخارَ حتى ماتوا جميعا موت الأذلاّء الأدنياء، فلا أنتم تركتموهم بجانبي آنس بهم في وحشتي، وألجأ إلى معونتهم في شيخوختي ، ولا أنتم ذهبتم بهم ميدان قتال شريف فأتعزّى عنهم من بعدهم بأنهم ماتوا فداءً عن دينهم ووطنهم.
فها أنذا عائش من بعدهم وحدي في هذا الغار الموحش فوق هذه الصخرة المنقطعة أبكي عليهم، وأسأل الله أن يحلقني بهم فمتى يستجيب الله دعائي؟.
ثم أختنق صوته بالبكاء ، فأدار وجهه ومشى بقدمٍ مطمئنَّةٍ، يتوكأ على عصاه حتى دخل مغارته وغاب عن العيون ، فنالت كلماته من نفس الأمير ما لم ينل منها ضياع ملكه وسقوط عرشه ، فصاح: ما هذا بشرا إنما هو صوت العدل الإلهي ينذرني بشقاء المستقبل فوق شقاء الماضي، فليصنع الله بي ما يشاء فعدل منه كل ما صنع.
ثم انحد إلى سفينته ، وانحدر أهله وراءه، فسارت السفينة بهم تشق عباب الماء شقا ، فسجل التاريخ في تلك الساعة: أنه قد تم جلاء العرب عن الأندلس بعد ما عمروها ثمانمائة عام.
**** **** ****
بعد مرور أربعة و عشرين عاماً على تلك الحوادث لم يبق في إفريقية حي من بني الأحمر إلا فتى في العشرين من عمره اسمه "سعيد" لم يرا غرناطة ولا قصر الحمراء ولا المرج ولا جنة العريف ولا نهر شنيل ولا عين الدمع ولا جبل الثلج ولكنه مازال يحفظ في ذاكرته من عهد الطفولة تلك الأناشيد الأندلسية البديعة التي كان يترنّم بها نساء قومه حول مهده ، ويردّدن فيها ذكر آبائه وأجداده وآثار أيديهم وعزَّة سلطانهم في تلك البقاع، وتلك المراثي الحزينة المؤثرة التي بكى فيها شعراء الأندلس ذلك المجد الساقط والملك المضاع، فكان كلّما خلا إلى نفسه ردّد تلك المراثي بنغمةٍ شجيّةٍ حتى يشرف على التلف.
فكان لا يتمنّى على الله من كلّ ما يتمنى امرؤ على ربِّه في حياته إلاّ أن يرى غرناطة ساعةً من زمانٍ يشفى بها غلَّة نفسه ، ثم ليصنع الدهر به بعد ذلك ما يشاء.
وكان كلّما همَّ بالذهاب إليها قعد به عن ذلك أنَّ وراءه عجوزاً من أهله مريضة ، وما كان يستطيع أن يتركها ، ولا يجد من يعتمد عليه في القيام بشـأنها حتى وافاها أجلها، فركب البحر من سبتة إلى شاطئ ملقة، ثم اننحدر منها إلى غرناطة متنكراً في ثوب طبيبٍ عربيِّ من أطباء الأعشاب يتبقّل في جبال الأندلس وسهولها حتى بلغ ضاحيتها ساعة الأصيل ، فوقف على هضبةٍ من هضاب جبل الثلج فرأى فوق الأمواه تنزلق عنه في هدوءٍ وسكونٍ كأنها فوق سطحه اللامع المتلألئ قميص من النور ، أو قبة من البلور، حتى تصل إلى سفحه فإذا هي حيات من بيضاء مذعورة تنبعث ههنا وههنا لا يهمّ الا النجاة من يد مطاردها حتى تعثر بجدول ماءٍ في طريقها فتدغم فيه وتنساب في أحشائه.
ثم التفت إلى المدينة فرأى على البعد أبراجها العقيقيّة الحمراء وقبابها العالية الشمّاء ، ومآذنها الذاهبة في جو السماء ، فوقف أمام هذا المنظر الجليل المهيب موقفَ الخاشع المتخضِّع ، وضمَ إحدى يديه إلى الأخرى ووضعها على صدره كأنما هو قائم أمام المحراب يؤدّي صلاته، ولبث على ذلك برهةً ، ثم صاح بصوتٍ عالٍ ردِّدته الغابات والحرجات يقول:
هذا ميراث آبائي وأجدادي لم يبقَ اي منه إلا وقفة بين يدية كوقفة الثاكل المفجوع بين أيدي الأطلال البوالي والآثار الدَّوَارس.
هذه مضاعجهم ينام فيها أعداؤهم ، وهم لا مضاجع لهم إلا رمال الصحراء وكثبان الفلوات.
هذه قصورهم تشرف على الأرض الفضاء وتطلّ من عيون نوافذها كأنما تترقّب أن يعودوا إليها فيعمِّروها كما كانوا فلا يفعلون.
هذه قبابهم وأبراجهم رافهة رلأسها ليلها ونهارها إلى السموات العلا تدعو الله أن يعيد إليها بُناتُها وحُماتها فلا يُستجاب لها دعاء.
في هذه البساتين كانوا ينعمون ، وتحت هذه الظلال كانوا يقيلون، وعلى ضفاف هذه الأنهار كانوا يغدون ويروحون، واليوم لا غادٍ منهم ولا رائح ، ولا سائح نجن هذه السماء ولا بارح .. ثم نظر إلى الأفق فرأى الشمس تنحدر إلى مغربها، ورأى جيش الليل يطارد فلول جيش النهار فيبدِّديها بين يديه تبديداً فتهافت على نفسه ، وهو يقول:
هكذا تدول الدولات وتسقط التيجان، وهكذا تحل الظلمات محل الأنوار، وهكذا تنتشر سحب الموت على وجه الحياة.
ثم توسد ذراعه ، واستغرق في نومه بين وطاء الأرض وغطاء السماء، فلم يستفق حتى مضت دولة الليل ، ثم انحدر إلى المدينة يفتش عن خان يأوي إليه، فلم يجد في طريقه من يرشده إلى طلبته حتى بلغ نهر شنيل فمشى على ضفته يتفقد البذور ويتلمس الأعشاب وينتظر يقظة المدينة بعد هجعتها.
وإنه لكذلك إذ انفتح بين يديه باب قصر عظيم، وإذا فتاه إسبانية خارجة منه قد أسلبت على وجهها خماراً أسودّ شفافاً، وأرسلت على صدرها صليباً ذهبياً صغيراً، ومشى وراءها غلام يحمل على يده الكتاب المقدس، فلمحته في مكانه فأدهشها موقفه فدنت منه ورفعت قناعها عن وجهها فإذا الشمس طالعة حسناً وبهاء ، وقالت له بلسان عربي تخالطه بعض العجمة: أغريب أنت عن هذا البلد أيها الفتى؟ قال : نعم لقد نزلت به الساعة فلم أعرف طريق الخان الذي يأوي إليه الغرباء،ولم أجد في طريقي من يدلني عليه، فسمعت في صوته الشرف ورأت بين أعطافه مخائل النعمة فأهمها أمره ، وأشارت إليه أن يتبعها لتدله على ما يريد، فمشى بجابنها حتى بلغا موضع الخان فحيته بابتسامه عذبة،وقالت له: لا تنس أن تزورني أيها الغريب كلما عرضت لك حاجة ... ثم سارت في طريق كنيستها.


يـتـبــع