هذه مشاركتي الثانية أتمنى أن احضى ولو بالإعجاب الذي سيكون بالنسبة لي نجاح شخصي..

**************************


قومي ارقصيلي وارفعي البوشيه..خليني أروي ضامئي العطشاني

على هذه الكلمات كانت تتمايل (وسميه) ببطئ على نغمات هذه الأغنيه (السامريه) رقصة فلكلوريه لأهل الكويت القاطنين في المناطق الساحليه..تعدل وضعيه (الثوب) على رأسها لتنحني وتهز رأسها يميناً وشمالاً..فتعدل قامتها مرة اخرى لتتناثر على مهل خصلات شعرها الأسود على كتفها..تعاود الإهتزاز ببطء تتحرك قدميها باتقان على نقرات الطار المتعاليه في زوايه باحة المنزل الكبير..

كان الجميع يصفق مع الأغنيه وتمايلات أجساد الراقصات في الملعب..
(الملعب) هو المكان المتاح للذين يريدون الرقص كلما راقت لهن أغنيه من الأغاني المختاره.. كانت وسميه تأخد المكان كلما طالت الغنيه بتهادي وخفه..يتمايل جسدها البض الملفوف بالثوب.. (الثوب) هو لباس من الخام الشفاف مخصص لرقصة السامري عند نساء الكويت القديمه..

يتمايل جسدها يمينا وشمالا وقدماها تتقن فن التهادي كما علمتها جدتها (حصة) حين قالت غحدى الحاضرات لجليستها وهن يراقبن وسميه..وسميه ذات الثامنة عشر إبنة الحسب والنسب..والدها النوخذه حمود الباني التي تتحدث عنه ديار بحر الخليج لتجارته الواسعة والمربحه..وسميه الإبنة الوحيده المدللة لحمود وشيخة..حجرة لأبن عمها لكن القدر أخذ عمره قبل أن يجمعهما في بيت واحد حين كان في رحلة غوص على إحدى سفن عمة والد وسمية.


جلست وسميه بالقرب من قريناتها تنافسهن الحسن لشعرها الأسود الفاحم وعينيها القمريتين لشدة سوادهما وكثافة الأهداب وأنف كحد السيف وفم كحبه كرزة شديدة الإحمرار..يتهامسن النسوه فيما بينهمن بأنها مليحة الحفل كالمعتاد حين تحضر لأي حفلة..


كان المنزل الكبير ممتلئ بالحاضرين لحفل زفاف (منصور وبزة) إبناء عمومة وسمية..كما تجري العاده عند عوائل الكويت من الحضر والبدو إبنة العم لإبن عمها.. لم يروق هذا الأمر لوسميه حيث إنها فائقة الطموح بأنها كانت تريد إستكمال تعليمها إلا إن والدها كان لا يريد كسر عادات العائلة التي تربى عليها حتى خضعت وسميه للأمر مؤقتاً.


نهض الجميع على مائدة الوليمة التي أعدت لهذه المناسبه ليسري الجميع مالئلاً معدته ورأسه بأحلام بنو الباني ومكانة بنو الباني..ورقدت العذارى على خدر أحلام فارس كفرسان أبناء الباني.
وقفت وسمية أمام مرآتها وهي تزيل بقايا كحل بكر رقد على أهدابها بينما كانت تتأمل جمالها المأسور خلف قضبان نافتذتها النصف مغلقه.. وقف (درويش) يسترق جمال حرم عليه قبل مولد حب كان هنا على نافذه شاردة الأحلام..


وقف ظله الشارد على جدران سجلت تاريخ جنونه الذي أرخ مولده بين أهل (الفريج) الحي يسرح حاملاً عقلا لم يجد له بديلاً بينما كان الجميع يصمه بالجنون..كانت النافذه نصف مفرجه وكانت وسميه واقفه تسرح شعرها وهي تدور بحركات متهاديه تغنى (الله أكبر يانصيبي وانا وشبيدي..كل ماعدلت واحد يميل الثاني) تتهادى راقصه وهي تغني بصوتها الرخيم حتى وقعت عينيها الشاردتين على المتلصص خلف النافذه..وبحركة تقصد فيها وكأنها لا ترى إقتربت من النافذه لتفتحها فجأة أمامه ليقع من الذهول على الأرض..تعالت ضحكتها لتضج زوايا الممرات الهاربه بينما هو كان على الأرض يحاول النهوض أمام تلك العينين الساهرتين في حلم بعيد..

- درويش؟؟لماذا تتلصص علي؟؟ألا تحاف عمك حمود يقع رأسك ويرميه للكلاب؟؟

يرد وهو ينظر للأرض خجلا..وهو يعري إجابته أمامها..

- من أجلك أتحمل عذاب السكين وهي تعرس في لحمي..

وضعت يدها على فمها وهي تخفي ضحكة تكشف بياض أسنانها اللؤلؤيه..

- مجنون يا درويش..

خفت صوتها بذعر وهي تخبأ جسدها خلف النافذه لتغلقها أمام مجنون سهر ليلها بعيداً عن واقع أليم..

- أسمع صوتاً لربما والدي أراد الإطمئنان علي قبل النوم..أراك غداً لا تنسى القصائد..

أغلقت النافذه ونهض درويش ونفض غبار التراب اللاصق على ثوب تكابدت عليه السنين لترسم على هيئته بؤس الزمن..والضياع..درويش صبي ترعرع خلف أسوار منزل حمود الباني ليتربى مع وسميه ومن هذه اللحضه ولد حبه لها وكبر عشقه حين خرج بعيداً خلف أسوار حضنت طفولته وحبه وحلمه البعيد..
***

- تتزوجيني يا وسميه؟؟
- نعم لا كن بشرط..

نظرت إليه بيعنين نزغتين.
- تجيب لي العمبر من بطن الحوت..

يقفز فرحاً قبل أن تكمل طلبها راكضاً متجها كالأعمى إلى البحر ليرمي جسده النحيل سابحاً حتى ينهكه التعب ويخر غارقاً ولا يعود للحياة إلا بعد أن ينقذه عابر من عابري البحر في الليل..ذات يوم تسلل بين غاصة إحدى سفن حمود ليجوب معهم البحر ويصاد الحوت ليقدم الحوت والعمبر مهراً لعيون وسميه..حتى قبض عليه النهام سعيد ورمى به بعيداً كي لا يتورطوا بجثمانه قبل العوده إلى الديره...عاد درويش خالي الوفاض خائباً يلعن حظه ووالدته التي رمته على بوابة المسجد ليعطف عليه حمود الباني ويربيه كأنه ولده الذي حرمته منه زوجته..عاش درويش يخدم عمه كي يتعلم منه ويساعده..يضايقه حين يصمه أحد بالجنون فيتصنعه كي يغيض به المتشمتون..ذات يوم لعنه الحج صالح حين كان يساعده في ترتيب الدكان(المحل) وقال له (الله يلعن الخدامه اللي جابتك) فتطاول عليه درويش ليفلق رأسه بعصا كانت بيده وهرب وكأن الأرض قد ابتلعته..نهض الجميع يبحث عنه ومن بينهم العم حمود
ولم ينم أحد في تلك الليله حتى أخذهم ضن موته غارقاً كما كان يفعل كل مره حين يجتاحه جنون وسميه..


طرق النافذه بحذر حتى بزغ وجهها الصبوح لينور عتمة الزوايا..كانت عيناه تمطر دموعاً مدت يدها لتلامس تلك الدموع..

- ماذا بك؟؟أين كنت قبل ليالي الجميع بحث عنك..
- وأنتي؟
- أنا كنت أبكي كل ليله على النافذه لربما كنت ألمح طيفك من بعيد..

صمتت لتساله مرة أخرى وهي تضع عينها بعينيه:

- أين كنت؟

- كنت هنا يا وسميه..
- أين؟؟
- هنا في قلبك وتفكيرك..

- بالله عليك أجبني أين كنت؟؟

بعد صمت..

- وجدت المكان الذي يجب أن أكون فيه.

- ماذا تقصد.

- أنا طيف..طيف يا وسميه..

قبل ان تتكلم وضع يده على فمها وهو يتحسس شفتها ويضع أطراف أصابعه على عينيها الدامعتان..

- سآتي ومعي العمبر والحوت..

وراح قبل أن تدرك حقيقة الطيف من خياله واقفة واجمه أمام نافذة ستغلق في يوم ما..ودمعة تسللت من سجن اهداب بدأت تفقد شخصها المجنون..


طاف درويش الليالي ووسميه لاتدرك حقيقة الطيف من خياله بدأ الحلم الوحيد في رأسها يكبر بأسم درويش..تذكرت في صباح ذات يوم حين قال لها في الليلة الفائته:سأجلب لك الحوت والعنبر والياقوت من بطن البحار.. ترى ماللذي حدث لدرويش أوجد الحلقة التي فقدها وأختلت في فقدها حياته..أهو أبن حوريه من حوريات البحار الكبيره؟؟أهو أبن أحد ملوك الجن ووجده العم صالح على عتبة المسجد حين كان يصلي الفجر؟؟ هل وهل وهل ملئت رئس أهل الحي..حتى بدأ غياب درويش يخلق الخرافات والأساطير فكانت آخر الحكايات حوله إنه عاد إلى عالم الجن بعد أن فقدوه أهله هنا في الحياة الدنيا..

كثرو خطاب وسمية وزاد رفض وسميه وشك والدها أبناء عمومتها..ترى ماذا أصاب وسميه أأصابتها العين؟؟ أحتارت والدتها وهي تأخذها إلى القراء وطاردي الجن لربما تلبسها الجن أو عشقا جن ليأخذها بعيداً عنها كما اخذ درويش.. ذات ليله بينما كانت وسميه واقفه أمام المرآة تغني أغنية سامرية شجيه وتدور في الغرفة بحركة متهاديه متباطئه وقدميها تأخذها ذات اليمين وذات الشمال كان درويش قد وصل في وقته ليقترب من النافذه إقتربت منه وسميه وهي مابين الحقيقة والخيال..مد درويش جذعة ليقف أمامها دون ستار الجدار الذي كان يفصل بينهما باحتشام واقترب من وسميه ليحضنها ويخترق الجدار وهي بين أحضانه مبتعداً عن الحي الذي أصبح تحت أقدامهما ليرتفع فوق السبع بحار مبحراً في البحر السابع على ظهر القمر وشراع نجمة الشمال حيث الأرواح تتعانق من جديد من جديد..


واختفت وسمية في ليلة من ليالي يوم العيد.. لتترك لوالديها وأهل الحي ثوب وكلمة بضة على شفة نصف منفرجة وجسد بارد شاحب مسجي على نافذه مكشوفة الأحلام..والرغبات...